ابن حزم

164

جوامع السيرة النبوية

غزوة الحديبية فأقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالمدينة ، بعد منصرفه من غزوة بنى المصطلق ، رمضان ، وشوالا ، وخرج في السنة السادسة في ذي القعدة معتمرا ، واستنفر الأعراب الذين حول المدينة ، فأبطأ عنه أكثرهم ، وخرج بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن اتبعه من العرب ، وساق الهدي ، وأحرم بالعمرة من ذي الحليفة ، ليعلم الناس أنه لم يخرج لحرب ، وخرج في ألف رجل ونيف ، المكثر يقول : ألف وخمسمائة لا تزيد أصلا ؛ والمقلل : ألف وثلاثمائة ؛ والمتوسط يقول : ألف وأربعمائة . وقد قال بعضهم : كانوا سبعمائة ، وهذا وهم شديد البتة ، والصحيح بلا شك بين الألف والثلاثمائة إلى ألف وخمسمائة . فلما بلغ قريشا ذلك خرج حمها « 1 » عازمين على صد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن البيت ، أو قتاله دون ذلك . وقدموا خالد بن الوليد في خيل إلى كراع الغميم . فورد الخبر بذلك إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو بعسفان ، فسلك طريقا خرج منه في ظهورهم ، كان دليلهم فيه رجل من أسلم ، وذلك ذات اليمين بين ظهري الحمض ، في طريق أخرجه على ثنية المرار ، مهبط الحديبية من أسفل مكة ، فلما بلغ ذلك قريشا التي مع خالد ، كرت إلى قريش ، فلما كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالمكان الذي ذكرنا بالحديبية ، بركت ناقته ، فقال الناس : خلأت « 2 » . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ما خلأت ، وما هو لها بخلق ، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة ، لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها . ثم نزل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هنالك ، فقيل له : يا رسول اللّه ، ليس بالوادي ماء . فأخرج سهما من كنانته ،

--> ( 1 ) خرج حمها : أي خرج معظمهم وهناك شك هل المقصود جمها بالجيم وهو الأصوب . ( 2 ) خلأت : حرنت وامتنعت من السير وهذه الصفة خاص بالناقة فقط .